دراسة تحليلية من زاوية الحداثة، ودورها في رواية (هَمْهَمَةُ المَحَارِ)

 


دراسة تحليلية من زاوية الحداثة، ودورها في رواية (هَمْهَمَةُ المَحَارِ) للروائية/صباح فارسي،

يقدمها الشاعر الناقد /سامي ناصف.

من جمهورية مصر العربية.

  (توطئة...)

إن وجود عناصر الحداثة، أو العصرية في العمل الأدبي، يعني  أنه  يتصف  بخصائص تولدت  عن  النزعات  الحديثة  في الأدب،

ولقد شاع الرأي بأن حركة التحديث تهدف إلى  قطع  الصلة  بين  الماضي  في  الكتابة الأدبية،  وإلى  البحث  عن  أشكال  جديدة  من التعبير  في الأدب.

  ولقد  هاجم  عددا  من  النقاد  الغربيين  من خلال  رد  الفعل  لأدب  القرن  التاسع  عشر ككتابات  (أرنولد  بينيت)  و  (جالزويرذي)،  (ه‍... ج.  ويلز)  وظهر  هذا  النقد  في  مقالات  بعض المبدعين  والنقاد  مثل  (إزرا  باوند، وفرچيناول

، وإليوت)

تهاجم،  الخلق  يناوول  الذي  لا  يراعي  الشكل الفني  المفهوم  الجميل،  وتطالب  الكتاب  بعدم الاستطراد  الممل  في  الوصف  الروائي،  أو القصصي،  والاقتصاد  في  طول  العمل  الأدبي حسب  مقتضيات  الوحدة  الجمالية،  والفنية للعمل...

 

  ولم  يقتصر  الذم  على  الشكل  الروائي  أو القصصي  فحسب،  بل  امتد  إلى  المضمون أيضا،  فتقول (فرچينيا  وولف)  عن  أعمال (جالزويرذى):

إذ  ترى  أن  الشكل  التافه  يقود  هؤلاء  الكتاب إلى  مضمون  أجوف  وزائل  يخلو  من  عناصر خلود  الأدب:  إنهم  يكتبون  عن  أشياء  غير مهمة  ويهدرون  الجهد،  والصنعة  الفائقة ليجعلوا  الأشياء  التافهة  والزائلة  كما  لو  كانت حقيقة ودائمة

  ويؤكد  هذا  المعنى  أن  أهداف  النزعة الجديدة:  هي  الثورة  على  القديم،  الذي يعكس  روح  العدوانية  على  أدب  هؤلاء الكتاب.

ولقد  أصبحت  الرواية  الحديثة  لا  تهتم بالبداية  التقليدية،  فهي  تدفع  بالقارئ  إلى الانغماس  في  التيار  المتدفق  عبر  التجربة  التي تحكيها القصة؛

فلقد  تجنب  الأدباء  القاصون  استخدام الراوي  شامل  العلم  الذي  يتطفل  على الأحداث،  واستخدموا  مناهج  سردية  متنوعة، تطرح  وجهات  نظر  متعددة...

   ..والروائية(صباح فارسي)روايتها - ههمهة المحار-

تتنفسُ نَفسَ الحداثةِ المُطعمةِ بالعفويةِ  في الكتابة والسرد وقَطْف الأحداث دون قصد.      

إلا أنها تفرض نفسها  على الكتابة لكونها تَحملُ حسًا مرهفًا،وعينًا فاحصةً لِكَوْنها تمتلك معجمًا لُغويًا ثرًا يُسعفها حَالَ الكِتابةِ.

      ..مدخل ..

  إن روايتها المعنونة - همهمة المحار -

عنوان رامز، أكثر منه كاشفا لمضمون الرواية، ومن هنا وضعت القارئ تحت مسئولية البحث، والتَّدبر، والاستقراء، والاستكشاف عن كُنه هذا العنوان المُشبع بالرمزية، واللغة المجازية، لتترك للقارئ الحكم المطلق، وتعطيه خيط السرد ليجري هو، فلا ينفك عن المتابعة إلا بعد  الانتهاء  من قراءة چل الشذرات التي تقع بين دفتي الرواية الموسومة بالطول.

   .. والقارئ قد تُلْبِسوه هالات الدهشة بكل أَردِيتها، أمام الإهداء المكثف المزركش باللغة الانزياحية،والمُطَعَّمِ بالنزعة الفلسفية،ولم تنس أن تُحمِّلَ نفسها المسئولية،وَهَمَّ المشاركة فيما نزعتْ إليه في قولها: أنا مثلُكم تائهةٌ،أفتقدُ بوصلةَ النَّجاةِ..

   .. ثم تردف قائلةعلى سبيل الاستدلال: لتُمَنْطِقَ ما أَقَرَّته في الإهداء،من خلال قول جلال الدين الرومي:وأعلم أن كل نفس ذائقة الموت،ولكن ليست كل نفس ذائقة الحياة.

    .. ثم نُدْهَشُ بالاستهلال الذي لابد من قراءته،ومَن يفُوتُه العُروج عليه فسيفتقد البوصلة التي تقوده وهو على شراع متأرجح فوق يَمِّ الرواية.

   فنرىٰ الكاتبة الروائية -صباح فارسي - استجمعت كل معجمها لتدخله في أتون العبقرية؛لتخرج لنا لفظًا شهيا،وصور بلاغية ناضجة تُشبِعُ ذائقتنا مثل قولها: من زوايا الظلمة المقدسة،من أركان الكون المتشبعة،من غبار الشعب المتفتتة تتساقط القواقع،تتخبط في متاهة الفضاء الفسيح،وهكذا دواليك.

 

     (دور اللغة الرامزة،وفاعلية اللغة الانزياحية

 

للراوائية-  صباح  فارسي-  بنت  الرواية  من جملة  شذرات،  والشذرة  في  المعجم  يقال: شذرات  الذهب،  أي  قطع  من  الذهب،  أو فقرات،  أو  شذرة  العقد  أي  الفاصل  بين حباته  بخرز  أو  قطع  من  ذهب، ونحوه

وهذا  المعنى  المعجمي  متجانس  مع  ما  تصبو إلى  تحقيقه  الكاتبة،  وكأن  الرواية  عقد متماسك  زينته  وزركشته  بالشذرات  من  أول شذرة،  إلىٰ  آخر  شذرة،  دون  أن  ينفرط  منها عقد  الرواية،  وأشتم  أن  للكاتبة  علاقة حميمية  بالبحر،  وما  يحمل  من  محار وقواقع،  وأن  لها  وشوشات  خاصة  مع  المحار، والقواقع،  انظر  معي  إلى  عنوان  الشذرة  الأولى (شهقة  المحار،  الدانة)  ودهشة  الافتتاحية الشذرة  الأولى  قولها:  الحسرة  كأن  يبزغ  النور من  هناك،  من  أعماق  الظلمة  هكذا  فجأة، وأنت  قد  أدمنت  العمىٰ،  وكل  ذلك  رموز  تشي بإشعاعات  وهاجة  لتضفي  على  الرواية  عمقا، وتفردا،  وكذلك  التراكيب  الانزياحية  التي تساهم  في  خلق  لوحات  من  الجمال 

 الآثر  من  هناك  نبتت  الدانة،  هكذا  من البحر،  التفت  أذرع  الشواطئ  حول  يابسها، واحتضنتها،  غطتها  السماء  بفيروزها،  غاصت الجمان  في  جوفها،  تنفذ  الشمس  لقلبها صباحا،  تطهر  سواحلها  من  عقوق  البشر...

 

نحن مع أديبة تعرف ما تكتب،وتكتب ما تعرف،مع قدرة تحكمية في نسج وسبك التركيبة المحكمة، دون أن تذهب إلى لغة الفوضىٰ،وفوضىٰ اللغة،وهذا راجع إلى أنها خبيرة بعلم اللغة وعلوم اللغة العربية.

   .. وفي شذرة (حمى الجري)

ففي هذه الشذرة لوحة ماتعة مع - درة- و وزميلتها مصورة ذلك المشهد كاللقطة السينمائية المتحركة عبر مشهد متحرك أيضا؛لتظهر لنا مهارة التصوير للمشهد بلغة رشيقة عميقة مثل قولها : تتسع حدقتاها كأنما رأت شبحا أمامها،يكاد قلبهايخرج من صدرها ترتجف يداها وجسدها،خاضت معركة ضد العالم البشري،رأسها منبع الفوضى والصداع،تهرش وشم فراشة ملونةحُفر على كتفيها الأيسر بعصبية.

   ..ورغم هذه اللغة التي اكتسبت عبقريتها من ثقافتها الجامعة بين عبق التراث،ووهج الحداثة،لم تفقد الخط الدرامي الذي يُعدُّ العمود الفقري المُدعم بالصراع الداخلي،والخارجي.

 

وأناشد كل قارئ أن يستجمع حواسه، وهو يأنس بمطالعة هذه الرواية لأن الروائية- صباح فارسي- تدخلت بعلم ووعي في إطار الشخصيات عبر روايتها؛ هادمة فكرة الراوي، والسارد النمطية المعهودة عند الأكاديميين، ومحبي فن الرواية، إلى توظيفها توظيفا يتواءم مع النزعة التجديدية التي غلفت بها الرواية، وجعلت للمكان دورا مهما (كالدانة) وأن الزمامتناههي مع الأحداث، وكأنه عن الأمس، أو اللحظة الآنية، لأنها قابضة على على البنائية للرواية، وكأنها تحمل نفسها المسئولية داخل كل حدث، من خلال طرح رؤيتها الفلسفية، مع الصراعات النفسية التي كثير ما تفض طلسمها بتطريز كل شذرة برسالة تلغرافية للقارئ تشي له: بأن الأحدث هنا، شم عبقها من خلال تلكم الرسالة

 ... انظروا إلى هذه الرسالة المصدرة لمشهد الشذرة الرابعة، والتاسعة، والخامسةعشرةر، وإلى آخر شذرة، وعبر كل الشذرات...

 

  أمثلة  الشذرة  الرابعة  بؤرة  الشبق  تقول: العشى.

كأن  ينحر  البياض؛  فتموت  كل الأسئلة.

...  نل  أيها  القارئ  كأسا  من  المتعة  مع  هذا المشهد.

ورسالة  الشذرة  التاسعة  وما  تحمله  الشذرة من  رموز  عبقرية  قولها:  في  الحرب  والحب يختل  ميزان  العدالة، ونرتضيه.

ورسالة  الشذرة-  الخامسة  عشرة  (أسرار الأبواب)

البيت  عشنا  الأول،  حيث  التقينا  بذواتنا

  في ساعة  صدق  بذواتنا  وحدة دافئة.

وعليك  عزيزي  القارئ  أن  تمتع  نفسك، وذهنك،  وكل  حواسك  مع  هذه  الرواية  المتعة حقا  حتى  تصل  إلى  آخر  شذرة،  وما تحمله  من جمع  حبات  الشذرات  في  ذلكم  العقد الختامي-  الشذرة  الثامنة  والعشرون  (نداوة اللهب)  التي  صدرتها  برسالة  وكأنها  بساط  من الأرائك  لتأخذ  نفسا  بعد  لأي  مجهد  قائلة: فاصلة،  خذ  نفسا  آخر  وليس  أخيرا،  للحكاية نهاية  لم  تكتب  بعد...

  أمثلة الشذرة الرابعة بؤرة الشبق تقول:

فهي كروائية تمهر فن الرمز،والانزياح اللغوي،وتركت الرواية منفتحة لجميع التأويلات التي ستطفو على قريحة كل قارئ،فتلكم النهايات اللامنطقية.

عزيزي القارئ لم أحجر عليك برأيٍ وإنما قدمت لك مفتاحا -أعده عبقريا- لتَفْتَحَ من خلاله مغاليق الرواية،المعلقة بقطاف اللغة الرامزة،ودهشة الانزياح اللغوي،والتركيبي ،والتصويري .

تحياتي

دراسة من زاوية قدمها الشاعر الناقد /سامي ناصف

جمهورية مصر العربية

عضو اتحاد كتاب مصر .

عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.

 

قدمها لكم الشاعر الناقد /سامي ناصف.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

Blind marriage