جناح رقم - 19

 

الكل حولي يرتدي ملابس بيضاء كالأشباح!

منذ أسابيع حين اقتادتني ممرضة بتعالٍ بغيض إلى جناح رقم 19 وهي تتمتم بنزق:

- أُف.. كل الغرف ممتلئة بحالات.

 

تقيس درجة الحرارة وتقول:

- حرارتك مرتفعة؛ سأحضر لك الدواء.

 

أغرق في تعرقي وهلعي، في غيبوبة الحمى وخيبتي، الصداع يفتت رأسي نصفين، ويهدُّ جسدي إلى مائة شق وشق، أرى نفسي في طابور المدرسة البائس في الحر .. أقف وحيدة .. أحاول الحصول على شطيرة، تهمس الفتيات، يتضاحكن، يسخرن من ضفيرتي الهزيلة، أرفع رأسي إليهن، تسقط الشطيرة تحت أرجلهن، ويزداد الضحك، تهمس رفيقتي وهي ترتدي البياض:

- قاومي، قاومي.

 

 

وعوضًا عن ذلك أرتدي وجهي المهذب، أركض لغرفة الصف جائعة.

 

أستفيق من الغيبوبة، سعال لئيم يدكُّ ضلوعي، مسامير تنخر صدري، أختنق وأختنق من السعال، والممرضة دون رحمة تلقي لي بالدواء بحذر مريب - كأنني قذارة قد تلتصق بها - قائلة:

- تناولي الدواء الآن، ونامي.

أتوسل إليها:

- اتصلي بزوجي وولدي.

تصرخ:

- طلبوا أن أخبرك بأنهم لن يأتوا، وقالوا إنك ستجدين لهم عذرًا.

 

تلتصق الأمصال بذراعي، ينهار جسدي، يخذلني مثلهم جميعًا، لهيب الحمى يستعرُ في أوصالي، أعود إلى غيبوبتي، ويعود هو ذاته بجبروته المقيت، يركل بطني بكل ما أوتي من قوة .. أنزف وأنزف، أفيق في المستوصف وقد فقدت جنيني للمرة الثانية على التوالي،

 تهمس رفيقتي: 

- قلت لك قاومي، قاومي.

 

فأرى وجهها الصارم جامدًا، تضع سبابتها أمام شفتيها. أبتلع صوتي، أرثي لجنيني، أبلع علقم الدمع وأغتال الشكوى.

 

ضوضاء حولي، همهمة تعلو، يصرخ طبيب:

- مناعتها ضعيفة!

فيجيبه آخر:

- حالتها حرجة.

 

يضعون المزيد من الأمصال وكمامة الأكسجين، أغيب في الحمى،

مر بي الموت مسرعًا؛ لديه أرواح أخرى عليه أن يجتزها، وافتني نظرته العابسة .. عرفته وعرفني، وغشاني شبحه الأسود، واغتالني غموضه المفضي إلى حتمية الموت، وبقسوته المتوحشة بسط على روحي المتهالكة سطوته، هل بقي في ساعتي قليل من الدقائق لمكابدة النزع؟

 

يأتي طيف رفيقتي بوجهها الملائكي، رفيقتي التي لم تكبر يومًا تهمس بحزن:

- قاومي، قاومي.

 

تحشرجت بقايا حروف في حنجرتي:

- كيف نقاوم؟ كيف نقاوم؟!.

 


 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة تحليلية من زاوية الحداثة، ودورها في رواية (هَمْهَمَةُ المَحَارِ)

Blind marriage