جذور

من خلف الواجهة الزجاجية، لمحتُ تعطشه للمجهول،

تعرفت عليه بمجرد أن دلف إلى صالون الحلاقة متأبطًا صديقته الشقراء.

ورغم أنه تحدث الإنجليزية، جدل شعره كما يفعل ذو البشرة الداكنة،

حشر جسده في البنطلون الأزرق واضعًا أساور على كلتا يديه،

إلا أن شعره الأسود وعينيه الكحيلتين كانتا تَشِيان بشرقيته،

لم يكن ينتمي إلى طين تلك الأرض التي وقف عليها.

 

شرع باحثًا في الواجهة الزجاجية عن وشم من بيننا ليختاره،

ليشاركه حياته، نلتصق بمسامه، نتمازج مع مشاعره.

حانت فرصتي، تقافزت إلى موضع بصره ليقع اختياره عليّ ..

لقد كرهت وجودي هنا في تلك الواجهة.

حان الأوان لأرى العالم من خلال أحدهم.

أخيرًا وقع بصره عليَّ، سأل صديقته الشقراء:

-        ما رأيك بهذا؟ نضع نصفه على يدي اليسرى، وتضعين نصفه على يمناك، فنكتمل ..   ابتسمت ببلاهة قائلة:

-        حسنًا، نضعه إن كان يروق لكَ.

لم أعجب تلك الشقراء يومًا، ولم ترقْ لي قط.

في ركن صالون الحلاقة ولساعات عديدة، حُفرتُ على جلده الأسمر تمامًا، على وريده الأيسر، تشبَّعت بدمه، اكتنزت في مسامات جلده، تغورت في داخله.

فاضت عيناه بالدموع، لكنه كابَر على الوجع.

خرجتُ للمرة الأولى إلى العالم من زنزانتي الزجاجية.

الحياة خارج الصالون أكثر ضوضاء، وفي الطريق للبيت لمحت أمثالي على أجساد أناس آخرين.

في ليلتي الأولى، لم ينم صاحبي، كنت - ودون قصد مني- أتسبب في وجع مبرح له، حتى إن تلك الشقراء نصحته بشرب المسكر حتى يخفف من حدة الوجع. رفض في أول الأمر، ثم رضخ لها وشرب. نام، ونمتُ للمرة الأولى في مسام دافئة وبين عروق بشرية.

في الليالي التالية لتلك الليلة، كان صاحبي يحكّني كالمجنون، كل ليلة كان ينهي معاناته بشرب المسكر والنوم حتى الظهيرة.

مضت الأشهر وتمكنت منه، وصار يتحسسني بين الفينة والأخرى، ورغم شعوري الدفين بأنه يرغب في التخلص مني، فإنه كان يستعرض بي أمام رفقائه الشرقيين.

جاء أخو صاحبي في زيارة خاطفة، وما إن لمحني حتى أمسك بذراع صاحبي، نهره قائلًا:

- هل جننت؟ كيف ستعود لوطنك ويراك أهلك؟ سيلعنك الجميع، وستطاردك لعناتهم إلى الأبد!

حان موعد العودة للوطن، وقرر صاحبي مفارقتي وهجري، ذهبنا لصالون الحلاق للمرة الأخيرة، وهناك تفسخت من جلده، نخرت مسامير الليزر كل مساماته واقتلعني، مسح كل ذكرياتنا بحلوها ومرها. انسلَّ لوني منه، طمست ألواني الحمراء والزرقاء والصفراء من على سطح جلده.

عاد صاحبي إلى موطنه ظنًّا منه أنه أزالني من جلده، وأعلم جيدًا أنني تخللت نخاعه، بل وتجذرت فيه، من أقصاه إلى أقصاه

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة تحليلية من زاوية الحداثة، ودورها في رواية (هَمْهَمَةُ المَحَارِ)

Blind marriage