هدير
منذ أن
توقفت الأصوات وخبت للأبد لم يعد هناك ما يكدر صفو الحياة حتى ذلك اليوم.
كان آخر
ما سمعته السيدة ميم لعنات السيد ميم وصفيق كلتا يديه على أذنيها، توالت الصفعات
على وجهها وتكثفت على صوان الأذنين، تبع الصفعات بحروف زمجر بها، كال لها الشتائم
كيلا... وعاد لضربها..
فجأة
توقفت حمم البراكين التي قذفها لسانه من التسرب لها، توقفت قذائف الشتائم عن
الانفجار في أوردتها، وماتت الرصاصات التي كانت تغرس في صدرها في كل ليلة، شفتا
السيد ميم لم تعد تجيد الجرح.. فجأة هدأ فوران الدم في جسدها، شعرت بارتخاء تام،
بدأ الطنين يلف أذنيها، غام جدار الغرفة، تماهى الجدار أمامها، سقطت على الأرض
وحين استيقظت كان العالم أكثر هدوءا دون نشاز صوته، كما أصبح عالم الصم أوسع رحمة
لها، كان ضربه لها منذ أول شهر من زواجه بها، ورث جينات الضرب عن أبيه الذي كان
يكيل الكلمات لأمه على مرمى من ناظريه.
مضت سنوات
لم تحاول فيها أن تقرأ الشفاه، كل الأحاديث صامتة وميتة، حتى همس زوجها لضرتها،
سخريته منها وهي تقوم على خدمتهما لم تحدث فرقا.
وحده
صغيرها ما كان يبقيها على قيد النفس، اليوم عاد وحيدها من المدرسة، تحدث إليها
وردت بالإشارة، كانت الفرحة تغمره ثم فتح المصحف وقرأ وقرأ وبين كل آية وآية كان
ينظر إليها.. كان يبدو كما حلمت به قبل أن تحمل به يقرأ القرآن.. وفي غفلة من
تحاملها على أحاسيسها علت ابتسامة صافية على وجهها الصبوح، انهمر الدمع، غسل وجهها،
بكت بحرقة، ووجدت يديها تتلمس أذنيها بحسرة، تستنجد حسيس همس لتسمع تلاوة فلذة
كبدها، تستجدي سماع ترتيل القارئ الصغير ولكن دون جدوى.
تعليقات
إرسال تعليق