رائحة الجنة

 

لهيب الصيف يشتد، قيظ طِيبة لا يرحم أحدا، يشوي سمومه الأبدان، قد كان رمضاني الثامن، كنت أتدرب على الصوم والصبر، بعد صلاة العصر في ركن المطبخ تصنع أمي من خيوط الدقيق رقائق البهجة، طبقنا المفضل في رمضان، أجلس بالقرب من أمي، تنسج من الخليط فطائر محلاة بالسكر والهيل والسمن البلدي، أمي تجلس أمام الموقد، تلقم الفحم لفم الموقد، يتقد الجمر، تتصاعد الحرارة إلى وجه أمي، يغدو المطبخ فرنا يشتعل حرارة، تصب الخليط على صينية مقعرة..

- لمَ لا تستخدمي البوتاجاز يا أمي!؟

- اللحوح لازم يتحمر، أنتم تحبونه كذلك.

 

فطيرة تلو فطيرة، تحترق أصابعها مع كل فطيرة، يلسعها طرف الموقد في يديها ومرفقها، لا تشكو، أساعدها، أضع السمن، السكر والهيل على رقائق اللحوح.

 

أذكر كل تفاصيل وجع أمي، يغيب وجهها في شبابها عني، يتوه مني في متاهات الذاكرة، ضاع وجهها، بقيت رائحة الجنة، رائحة أمي.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة تحليلية من زاوية الحداثة، ودورها في رواية (هَمْهَمَةُ المَحَارِ)

Blind marriage