استشعار
بالكاد نزل السلالم المؤدية للشارع، جميعهم كانوا ينظرون لزوائد القرن الأزرق المحمر المتحرك فوق رأسه ويبتعدون عنه مسافة مترين وأكثر، الكل كان يتجنبه، حتى ابنه المدلل الذي كان ينام لديه في مرضه ابتعد عنه.
استقل سيارة الأجرة، لم يكن قادرا على القيادة بعد أن طحنت الحمى
بدنه طيلة ثلاث ليال مضت، أجبره الجميع على الذهاب للمستشفى، واجتمعوا على قرار
الذهاب بالاتفاق بينهم، وتلك سابقة لهم فلم يكونوا بذلك التلاحم الأسري سوى في
مرضه، أطرق كاسف البال يفكر: "ربما كان
لابد أن يمرض ليتخذوا قرارا بالإجماع ،حتى لو كان قرارهم قاسيا ضده يقضي بعزله
لأيام أو أسابيع وعليه الإذعان لهم، ليكن ما يكون".
في سيارة الأجرة حاول جاهدا أن لا تتسرب منه كحة أو عطاس وتفضح حالته
الصحية الغير مستقرة، ولكن السعال أرغمه مرتين أن ينفس عن صدره، حينها رأى السائق
ينظر هو الآخر للقرن في أعلى رأسه بريبة واشمئزاز، كان خوفه الأعظم أن ينزله السائق ليطلب سيارة
أخرى، ولكنه أوصله للمستشفى التي طالما دخلها ولم ينتبه أحد لوجوده، هذه المرة
بمجرد معرفتهم بحرارته تسارعت أعينهم للنظر لقرنه الأحمر المزرق، ولم ينظر أحدهم
للألم الذي أعياه حتى كاد يسقط في الممرات، أوقفوه في صالة الانتظار، مكث طويلا
حتى تسنى له رؤية الطبيب.
حضر الطبيب والأناة ملبسه، لحيته مهيبة وشعر رأسه بلون النقاء، هز
رأسه ببشاشة، لم ينظر للقرن الأحمر ولم يرتعد منه أبداً، بالعكس نظر إليه من أعلى
نظارة القراءة بوداعة قائلا:
-لا تخف يا شيخ، لا تقلق.
- لست خائفا مطلقا، هم الخائفون.
أقترب الطبيب منه، فحصه، مسد على رأسه وأخذ مسحة من أنفه بهدوء.
رواده شعور بالرحمة، وساوره الفضول
- ما اسمك أيها الطبيب؟
- البراء.
- نعم... نعم
فرت من شفتيه ابتسامة منهكة وردد:
- البراء.
في ذاك المساء عندما عاد للبيت، انحازت له الأطباق البلاستيكية في
عزلته الإجبارية، وجاورته الجدران في الحبس الانفرادي، وبينما تنصت على ضحكات
فلذات كبده وهم يشاهدون التلفاز، سمعوا سعاله من خلف الأبواب، وحين نادته حفيدته:
- جدو جدو.. سحبوها بعيدا عنه قبل أن يرد.
بعد أربع وعشرين ساعة في العزلة وصلته رسالة براءته بسلبية نتيجته..
نظر إلى الرسالة طويلا ثم قام بحذفها.
تعليقات
إرسال تعليق