ما أ غلى من الحب
ما أ غلى من الحب
قراءة إبداعية في رواية عازف القنبوس للروائية صباح فارسي
قدمت القراءة: غادة العمودي
أول ما سمعت
هنا..
التعبير بالجملة
النثرية لا يقل في نزوعه إلى التماسك والائتلاف- عنه في الجملة الشعرية. وهذا أول
ما يشد القارئ في هذه الرواية. ولعل في تشرّب الكاتبة روح الشعر، وهي الشاعرة إضافة إلى الروائية، ما أعلى من رتبة
اللغة الأنيقة عندما أن لها أن تستطرد في تباريح الرواية الطويلة.
إننا -عادة-ما
نستخلص "الحقيقة" في نهاية النص الروائي، أما أن تختار الكاتبة عنوان
باكر فصول الرواية "الحقيقة الأوحد"؛ فهذا يجذبنا من مستقر التفكير في
الرواية إلى مشقة البحث عما وراء اللانمطية، أو ما أطلق عليه "ما أغلى من
الحب"، بحسب عنوان هذه القراءة. ذلك أن الحب حقيقة، ولكن الأغلى منه هو
الإنسان المحِب، وبطلة الرواية "صبرة" تمكنت رغم محدودية إرثها الوجودي،
أن تصبح شارة للحب، فلم تتدخل في نسج هويتها دوافع غير (العشق الذي نذرت نفسها
له).
ظهور شجرة
الأمنيات (أو شجرة الهمس) يضعنا أمام
الملائمة في صبرنا؟ هل أننا نتصبر بأمنياتنا أم عنها؟ هل نصبر مع وجود البشارة؟ أم
أننا نتحقق بالصبر -أكثر - من دون فسحة تطل منها همسات الفرج؟! إن فلسفة الصبر عميقة تشد عضد الإنسانية وقد
تناولت دراستها كل الاتجاهات، ولكن ظل الأمر سرا معقودا بشجرة في أقصى جنوب جزيرة
نائية، لم تصله المعرفة بعد، ولكن -أزلا- سيصله كل قلب له موعد مع الحب.
تناوب المقولات مطلع كل فصل
يغذي عنصري: المفاجأة، والملحمية في الرواية. فالحلقة المفقودة في فهم مسار الحياة
قد تكون محفوظة في قول أو مثبتة بتدوين اشتد على الفهم كما النسيان، لربما لهذا نعتقد أحيانا في المجانين أنهم قد
بلغوا الكمال في فهم الكلمات (من يمتلك فك طلاسم شفرته الشجية، لا أحد سوى المجانين)،
ومن هنا تأتي شخصية "مخبول الهجير" ليكون الجدير بالحكمة لتوافق كلماته
مع الحرية المطلقة في الكون (وحده الحزن رفيقنا
الضرير!). مخبول الهجير هو الشاهد الذي يخلقه القدر في خلفيات الأحداث، سمِّه:
صوتك الداخلي، أو حدسك الباطن، أو إلهام الإبداع لا فارق، إذ مهمته أن يذكّرك -ونحن
معك – بأن القوانين لا تصنع خطرا على إدراك الإنسان، فالمجنون أبصر ما لم يبصر
غيره، وفهم ما عظم على غيره أن يفهمه.
استحضار أسماء
الكينونات والأشياء في بيئة صبرة يسهل اكتشاف أرضا مجهولة في الأدبيات: جنوب
الجزيرة العربية، الهجير، الياسمين والكادي والشذاب والريحان، سوق العطر،
المعتقدات في شجرة الهمس، الكحل الحجري، الدريم، الريالات الفرنسية، عدا عن استخدام
اللغة العامية المحكية في بيئة الجنوب، إننا نبني صبرة من خلال أيقونات البيئة،
أليس كذلك!
العتق في الحرية
تصنعه المرأة في حين ينتظره الرجل! (يتسع الأفق للطيران، ولكن من يزرع لنا الأجنحة) هذه المفارقة
يحفل بها القسم الثاني من الرواية، حيث تتحرر صبرة من زواج القاصرات، وتشرع في
بناء ذاتها عبر العمل، وتعيش كوخا قصية على شاطئ البحر وحدها! ما أعجب ما نالت من
حرية كالأساطير في ذلك المكان الجنوبي؟! ولكن هذه الظروف ناسبت ما سيلقي به البحر
من خرافة أسبانية. ذلك أن "مار" لم يختر الخروج من عالمه، ولكنه سرعان ما
اختار الدخول في عالم "صبرة”.
يقال – على وجه
اليقين – أن الأرواح الساعية وراء الحب لا بد وأن تلتقي، حتى لو لم تتعارف بأشكالها
فإن الغليل إلى الائتلاف يكسر سياجات اللغة والدم والقومية، وهكذا عاش صبرة ومار
يغزلان أهازيج العيش الموحد الذي أتى امتدادا لما في حبهما من إرادة الوجود.
العجيب، ولا عجيبة
في الخيال، أننا نقص ذات القصة على وعي الطفل/ الطفلة، ولكن مع اختلاف الضمائر. فالصغيرة
تنتظر الفارس الأبيض، والفتى تخطفه بنت ملك الجان، والخيط الرفيع بينهما: أن الحب
مآل كل قلب. فنكبر بهذا الوعي "الجمعي" لنظل "جميعا"
متقاربين، نشكل "المجتمعات" من اتحاد الخيال المتكرر بين "هي"
وَ "هو".. ولهذه اللفتة الذكية يصبح الصبر مبررا في أحلام
"صبرة" وَ "مار".
انطفاء الشذرة..
(الغربة أشد الكؤوس
مرارة، وأكثرها إجادة لتعليم الصبر.) من هذا المطلع نعلم أننا أمام طي بعد نشر!
وهنا نصل إلى السؤال المحير لهذه المراجعة: ما الأغلى من الحب؟! على اعتبار
"ما" استفهامية أو موصولة، فالمستفاد واحد: أَبَعد الحب بَعْد!؟
كان العزف على
آلة القنبوس تسلية مار عن ذكريات أسبانيا السليبة من واقعه، ولكن العقل الباطن
اتخذها تكأة الإلحاح المريض على ضرورة قطع دروس الصبر من منهاج الغربة.
لم يشفع ألم
فقد الحب عن الأنس بالوطن، هذا شيء لم ينتبه له من كتبوا بأن الحب وطن فوق الوطن!
وبالفعل، فإن للحنين ثقوبا يتقن كيف يمسدها باطن أرواحنا.
سترفض وترفض
وترفض -أيها القارئ – حين تباغتك الهزيمة: حب البحر، زواج الأغيار، تحدي التقاليد،
غناء القنبوس؛ كله انسلّ لحظة تهب نسمة حارّة من الأرض السمراء على عقل مار ليفيق
مما اعتبره غفلات السعادة المستحيل!
الغربة كانت
في الأصل عند صبرة، ذلك أن خفايا الماضي اعتصرت كلا من حسّها بجسدها ومسّها
بأنوثتها فلم تترك نفسها للعشق لتصبح سماوية، وهذا شيء لا يستطيع الرجل أن يتعايش
معه ولو كان غريبا في نفسه.
لقد خاضا
قدرهما معا، فهل انتصرا معا؟ قالت صبرة (ما قيمة انتصار من دونك؟)
الرواية لا
تكتفي بالحب، لقد انتهت النهاية التي لم تطرف للقارئ على حلم! جميل أن ندهش
بالقصص، أما أن تأتي علينا اللحظة التي نقول فيها للقصة: توقفي! لقد تجاوزت خطوط
التوقع!! فهذا ما تصنعه نهايات الحياة خارج القصص. ليس الأمر أن ننتهي تراجيديا،
ولكن أن نتخلى عن بعض الوهم ونحن ننسج الخاتمة البنفسجية في حكاية حب، وأن نترك
للحياة أن تأخذ منا القصة، ونترك للإنسان فينا أن يأخذ منا القصة، ونترك للحقيقة
الوجودية أن تأخذ منا القصة ثانيا وثالثا! ثم من هذا الأخذ الواسع تأتي الواقعية
المستترة.
خاتمة..
الباحثون في الحب
لم يفطنوا إلى أن الصبر على الحب أغلى من الحب نفسه، بل إن الصبر لا يحيل الحب
علقما، ولا الحب يكابر عن أن يلزم الصبر كي ينمو. وهنا تتكامل هوية الحكاية في اسم
"صبرة"، فأعمار فوق عمرها الفتي؛ هي قد صبرت دون أن تمل، (أنا الرابحة، قد نلت شرف اعتمار
قلبه لمحة من نهار ماطر بالوله، غسل قلبي بعشقه، مسني طيب حنانه، فأصبحت حورية من
الإنس لا تشيخ ما دامت أنفاسي تلهج بحروف
اسمه).
“عازف القنبوس" ليست قصة حب عمياء. ولكنها الحياة حين تدخل في قصة حب عرف كيف يبصر
ذاته.
------------------------------
العبارات بين
الأقواس هي اقتباسات من الرواية.
تعليقات
إرسال تعليق