بين جماليات الواقعية السحرية و وجدانيات الرومانسية المثالية

 نافذة على الإبداع - د. محمد صالح الشنطي


رواية ماتعة تقع على ضفاف وجدانية تذكّرنا بروائع رومانسية تمخّضت عنها قرائح أعلام في آداب عالمية شتّى تتجاذبها نصوص من سرديات الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية التي تمثلتها الكاتبة في (الهجير ) القرية الجنوبية التي تتشبث بتقاليد موغلة في تراثها الذي يكاد يلامس سقف الأساطير، تتمثلّه في نخيلها وبحرها وطبيعتها الفريدة، وكأنها إحدى الربات الأثينيات تسدل شعرها على شواطئ اليم تارة، وتجففها في هجير البر تارة أخرى ، فتتماهى في بطلة الرواية (صبرة) التي اصطلت بجمر الهجير واكتوت برمضائها ، وتعمّدت بماء بحرها الذي قذف ب (مار) بطل الرواية المغربي الإسباني في عمق جرحها ، فتلقّاها حوريّة من حوريات الشاطئ ليلفظها ثانية كسيرة في حضن عشّها الحزين .
لن أضيف جديداً لما كتب عنها في حفاوة بالغة وحوارات جادة ؛ ولكنني أستذكر ما انطوت عليه من شعريّة تتأرجح شباكها في عمق الفن التي علقت به شذراتها ، وقد أشار نقّادها إلى أسماء عربية وأعجمية وازنة وإلى تشذيرهم في أعمالهم الروائية التي نالت شهرة واسعة ؛ ولا أظن في الإعادة إفادة ؛ ولكنني أرى في بعض تضاريسها الجماليّة ما يلفت الانتباه ويدعوإلى التحديق مليّا ، فمن الاستهلال الذي تفرّدت به الرواية والشذرات التي استهلّت بها الفصول إلى لغة شعرية وتجلّيات تأملية ودراما نفسية وصراع بين الذات والآخر، وضرورات العيش وتطلعات الروح وربقة العبوديّة وفضاءات العتق ، وصدام الانغلاق والبطقش بنزعات الفطرة ونقاء القلب .
الاستهلال
يلخص الاستهلال في بداية الرواية مداخل الرؤية ومنافذها الفنّية والفكرية وما تريده الكاتبة لها لتتشكّل في فضاء السرد ؛ فهوأقرب إلى أن يكون وثيقة ومرجعاً لما يدور فيها ، فلم تترك الكاتبة جانباً إلّا وغطته بعبارات شاعرية مقتضبة بوضوح لا لبس فيه، تقرير يتلبّس عدسة التصوير لا يأتي الباطل حقائقه من قريب أوبعيد ، يردف فيها الشعور الفكر والعقل الوجدان ، ابتداء من الاسم الذي اختارته الكاتبة للمكان ، وهو(الهجير) الذي تنداح فيه دائرة التأويل فتختزل الجانب الوجوديّ الكونيّ والإنسانيّ والمعاناة بكل أشكالها ، فالهجير شمس حارقة وتربة متوقّدة وعذاب وجفاف .
ثم يأتي الموقع الجغرافي في جنوب الجزيرة ليضيف بعداً آخر حيث للجهات الأربع دلالاتها ثقافيا وحضاريا وإنسانيا والزمن التاريخي (1935) ؛ ثم البنية السكّانية المغلقة في وجه الأخر المنطوية على أسرارها ، وزمنها الذي يتصل بماض يلخّص كل الأبعاد التي تريد الكاتبة أن توميء إليها منذ السطر الأول : الموقف من المرأة التي يكافيء وجودها العدم من خلال تصوّر تلك العادة الجاهلية التي تتمثل في مصادرة الكينونة الإنسانية وهي( الوأد) فيتماهى المكان مع المرأة الإنسان لتصبح أحوال القرية موازية لما تعانيه من حيث العزلة والقيود الاجتماعية والاضطهاد ومصادرة الوجود الإنساني ، فالذكورة المهيمنة المستخذية تتوازى مع الأنوثة المضطهدة المصادرة في بقعة مكانية متخلفة معزولة ، والموقف من الآخر المنبوذ تجسيد للعلاقة بين البيئة والمرأة ، تتأسّس عبر الامتزاج الوجودي منذ بدء الخلق بالطين ، فثمة تاريخ وثقافة ومنشأ وتضاريس طبيعية وكونية (البحر واليابسة) وزمان يمتد في نسغ المكان ، وفضاء واقعي وحلمي وخضوع وتمرد ونسق ممتد ظاهر، ومضمروخضوع وتمرد.
البنية السردية:
لابد من التأكيد بدايةً على أن التوازن بين ( الخطاب) وفقا لمصطلح الشكلانيين الروس الذي يعني توقّف عملية التتابع السردي لصالح التعقيبوالرسالة أوالتأمل والشرح أوالتحليل أوالوصف والتأويل من خلال التجريد اللغوي أوالإشارات والعلامات ينهض بدوره في إضاءة الموقف أوالإطلالة المتعمقة في أغوار الشخصية والحدث وتأمّل الموقف أوالاسترسال في المناجاة أوالبوح الوجداني في غنائية ذاتية ، وهوما نلحظه هنا في بنية السرد ، فلطالما توقّف السارد ليفضي بلون من ألوان هذا الخطاب ، فالمحور الوجداني يحتل مساحة واسعة في الرواية ويدور حول الحب عبرالمناجيات والتأمّلات تشغل حيّزا لا بأس به في الرواية بلغة شعرية ، فالخطاب عنصر رئيس في بنية النص منشغلاً بالبعد الكوني للمكان ( البحر) والموقف العاطفي ( الحب) وأما (التاريخ) وهوالمصطلح الثاني من مصطلحات الشكلانيين فيتعلق بالسرد (تنامي الأحداث وتتابعها ) وهوفي الغالب يأتي بطيء الإيقاع ينسجم مع طبيعة المعاناة التي تخوض غمارها صبرة في صراعها المتصل مع محيطها المباشر الذي يمضي في خط زمني متّصل تبدو(الاسترجاعات ) الفلاش باك فيه محدودة وفي إطار التذكّر «والأسى يبعث الأسى» وتسير في اتجاهات ثلاثة : التسلّط الذكوري ، حيث التحرّش والزواج القسريّ والتمرّد والمواجهة (التهديد بالانتحار) السلاح الذي تشهره البطلة في وجه هذا التسلط ، ثم معاداة العمة وإصرارها على التخلّص منها عبر القذف بها في أحضان زوج عجوز سكير ، ثم المحيط الاجتماعي المعادي للمرأة والغرباء ، هذا التقاطع بين الخطاب والتاريخ يمثّل البنية السردية الرئيسة التي تنطلق من ذات معذّبة مونولوجية ، لا تتعدّد فيها الأصوات إلّا من خلال الموقفين المتناقضين عبر سلسلة من الثنائيات الضّدية التي أشرت إليها (الانغلاق والانفتاح) و(العبودية والحرية) و(الحب والكراهية) و(لذكورة والأنوثة) إلى آخر هذه المنظومة .
أما العنصر الأخر في هذه البنية فيتمثل في (الفصول الروائية ) ثلاثية الأبعاد حيث يتم تداولها بين ما يتصل بصبرة ومحيطها الاجتماعي ، وما يتعلق بمار ورحلته ومعاناته ثم اللقاءات التي تجمع بين الاثنين صبرة ورفيقها الذي أنقذته من موت محقّق .
والحركة في الإطار المكاني في الرواية محكومة بانتقالات كبرى تتمثل في مدينة بحجم (فالنسيا) ذات الفضاء الغربي الحضاري الجامع الذي يتسع أفقه للآخر المغربي الذي ينتمي إلى حضارة أخرى و(الهجير ) القرية النائية التي تقع في هامش جغرافي له هويته المغلقة على ثوابت من التقاليد الشعبية ونمط من التفكير محدّد ، وهنا تتبدى جدلية (الانغلاق والانفتاح) ويأتي البحر صلة الوصل بين هذين المكانين ممثّلا للتواصل الإنساني الذي يجسّده (مار) البطل الذي سمي باسم البحر ، ويتسع أفق التأويل للبعد الرمزي الكامن في هذا الاسم ليتجاوز الاتصال المادي الجغرافي ليحكم الوثاق بين العواطف والأرواح ،أما البلدة التي عمل فيها مار قريبة من الهجير فهي مفتاح الخلاص وطريق النجاة .
والشخصيتان الرئيستان اللتان تتكشّفان بكامل أسرارهما في الرواية فيتولى شأنهما راوٍ عليم مطّلع يتولى زمام السرد ويتحرك بحرّية مطلقة متقصّا مختلف الجوانب الخاصة بهما : صبرة الأنموذج الفذ للصّبر والتحمّل وللثورة والتمرّد والأنوثة بأشواقها وتطلعاتها وأحلامها ومعاناتها واغترابها وعن بيئتها وثقافة أهلها وطموحاتها إلى التحرر ، تكاد الكاتبة ترقى بها إلى الرم موضوعا في مثالياتها ودورها في إنقاذ مار وتحرّرها من عسف محيطها ؛ أما مار، فهورمز للتواصل بين الشرق والغرب ، فاسمه دالّ على البحر سعة وامتدادا وحياة ( وجعلنا من الماء كل شيء حي) وقد ارتحل من فالنسيا عبر البحر مرورا بالبحرين الأبيض والأحمر ليعثر على قيمتين رئيستين : الحياة والحب ؛ فقد أنقذته صبرة من الموت وأحبته.
والفصول التمانية والعشرون التي جاءت بعدد حروف العربية فهي علامة مهمة ؛ فاللغة وسيلة التواصل والتعبير، وفي اعتقادي أنها لم تأت عبثاً على هذا النحو؛ وإنما أريد بها أن تكون مؤشرا على اكتمال الحكمة وفصل القول ، فقد كانت تمثيلاً لرؤية الكاتبة بجوانبها المختلفة، فيما يتصل بجملة من الحقائق المتعلقة بمسألة النوع (الجندر) ومنظومة القيم الإنسانية التي سبق أن نوّهت بها عبر ما ذكرته من ثنائيات ضدّية ، فبنية الرواية تتكامل عبر لغتها التي ينبغي أن تكون موضوعا لأطروحة مستقلة ؛ فقد تموضعت في البنية السردية ليس بوصفها أداة للسرد فحسب وفقا لما ذهب إليه (رانسوم) أحد أعلام النقد الجديد حين صف لغة النثر بأنه أشبه بالزجاج الشفاف بينما لغة النثر مقصودة لذاتاها فهي زجاج ملوّن تستوقفك لتأمّلها ؛ فقد جمعت الرواية في لغتها بين الوظيفتين .
وحتى فقرة الختام كانت اللغة هي الرسالة التي تتهجّى الرؤية وتشيد الموقف ، ناهيك عن الشذرات بنصوصها الافتتاحية التي وصفها الفيلسوف نيتشة .كما أشار اليها الناقد محمد الذهبي”تجعل للكتابة أنفاس وشهقات وإيماءات خجولة متمنعة.

http://www.alyamamahonline.com/ItemDetails.aspx?articleId=7708


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة تحليلية من زاوية الحداثة، ودورها في رواية (هَمْهَمَةُ المَحَارِ)

Blind marriage