عين على المرأة في رواية عازف القنبوس للكاتبة الروائية السعودية أ. صباح فارسي


 المرأة  وكما يقول أناتول فرانس ( أنشودة  مطربة من السماء)

لكن مانوع الطرب

هل هو عزف على الجراح أم عزف على الأفراح

الكل يراها من زاوية أثمرت بداخله

فمن هو القادر على رؤية عمق تفاصيلها ؟ بلا شك هي امرأة أخرى لأن الحدس و الإحساس يصبح مشتركا

لذلك تصدت الكاتبة أ. صباح فارسي للموضوع بكليتها  لتعجن من الأبجدية طينا يتكلم بلسان كل امرأة في الشرق .

تمهيد

لو تأملنا المناهج والكتب المدرسية لوجدنا أنفسنا أمام كذبة كبيرة  أو  تصدير للشعارات والخطابات

المرأة تدرس على أنها مدرسة وووووو

هي شيء أصبح يدرس في كتب الفلسفة و النحو كالضمير

فالواقع يصور  عكس ذلك تماما  اللهم إلا ما ندر في واقعنا الشرقي

سؤال يطرح  ماهي وظيفة الأدب  ؟ أليس تعرية الواقع من كذبه.

وهذا ما فعلته الكاتبة في رواية عازف القنبوس

البداية  كانت برسم البيئة والمناخ الروائي و العادات التي تتنفسها

وهنا لا بد من الإشارة إلى لمسة الجمال التي صبغت بها الكاتبة السرد من خلال جعل بيئة الرواية في مكانين متناقضين،

الهجير في شواطئ شبه الجزيرة العربية حيث البؤس والفقر والجهل و فالنسيا عروس الأندلس حيث لغة الحضارة والرفاهية والانفتاح في التفكير

الزمان  بعيد الحرب العالمية

طبعاً هذا التمهيد كان ضرورياً لتجعل الكاتبة المتلقي في حالة موازنة دائمة بين طريقة حياة  بطلة الرواية صبرة

والشخصية المؤثرة في حياتها فيما بعد بين نوافذ الحبكة الأخيرة مرورا إلى خاتمة السرد.

الحبكة

التراجيديا  كانت اللغة المسيطرة على الحوار  و لعل لحظة ولادة صبرة و كيفية نظر أهل الهجير إليها قريباً كان لها أو لايمت لها بصلة قرابة

الولادة التي فارقت معها أمها و أصبحت بعدها ترضع مرارة اليتم

ثم مع الفقر  ثم مع الجهل والعادات والتقاليد التي تئد الفتاة ليس فقط بالموت وازهاق روحها

بل بطرق أشنع ومنها الزواج المبكر…. خاصة حين تكون الطفلة  وجبة دسمة لعجوز مخمور…..

ثم العودة إلى عوالم فالنسيا و بيان كيف كان مار عرس فالنسيا مع مجيئه للدنيا

التنقل كان بحرفية بين الأماكن

إلى أن تنتهي الأحداث  كلها في الهجير و جواره

لن أتوغل في تفاصيل الرواية بل سأقف عند نقاط مهمة

فالنقاط هي بحد ذاتها زبدة الرواية و أكثر

آليات السرد التي أكسبت الرواية عنصر التشويق

1–  اللغة البنائية للسرد كانت متنقلة بين السرد الومضي الشاعري والخيال الذي يحلق بالرؤى

و السرد المباشر الذي يصنع جسرا للتواصل بين الأفكار والمرامي التي تسعى الكاتبة لإيصالها للمتلقي دون أن تتركه ينفلت  إلى فخ الملل

 2-  التنقل في الأحداث على شكل سكيتشات حوارية مرة في الهجير ومرة في فالنسيا  إلى أن تستقر الأحداث في الهجير بعد تحطم قارب والد   مار

3–  الوصف التفصيلي للشخصيات و البعد في رسم عمق ملامح الشخصيات يترك للموسيقى التصويرية أن تأخذ مكانها تارة مع الحزن وتارة مع الفرح وتارة مع الضحك و تارة مع الدمع

4–  القدرة الهائلة على رسم التناقضات

 من خلال الخيال المتحرك مع تجذيف الانزياحات

مثال

البحر. العدو و الصديق

كره العمة لصبرة  ودعاء صبرة للعمة

الزوج المخمور و مار

و المفارقة الأجمل صبرة الثائرة  وفي الطرف الأخر نساء الهجير المستسلمات

5–  الولوج إلى لغة الصبر بتقنيات المحاكاة و أنسنة الأشياء في محيط أبطال السرد

6–  الولوج إلى عالم الجهل والموروث الإجتماعي الخاطئ والتوغل في رسم آثار الدمار التي يصنعها  من خلال الوصف العميق لما تعانيه صبرة و حتى بعد رغبة  مار  في الانخراط مع مجتمع الهجير

7–  الولوج إلى عالم الأسواق في الشرق البائس

كيف تكون فيه النظرات ( الباعة، الغرباء، النساء، الأطفال )

الرسائل التي أرادت الكاتبة إيصالها للمتلقي

1-. الذات هي أغلى ما نملكه ولذلك علينا أن نحارب  حتى نحصل على ذاتنا

يتجلى ذلك في مواقف صبرة و رفضها للاغتصاب وهي طفلة لم تصل حتى لسن البلوغ ….

عندما سكبت الكيروسين على نفسها والتهديد بحرق نفسها لو اقترب العجوز الشاذ و المخمور منها

2–  ثورتها على واقعها  الرافض للطلاق و ذهابها للقاضي  ليخلصها من براثن العجوز الشاذ

3–  ثورتها على واقعها المتجاهل لها بتعلم الكتابة والقراءة والطب الشعبي

4–  ثورتها على واقعها الرافض لزواجها من غريب وكسر قواعده البالية بجسارتها

5–  ثورتها على ذاتها المتعطشة للهروب و الخروج من الهجير  وبيان مايعني لها الهجير  رغم كل الألم

لتضرب به  درسا كبيرا في معاني الوطن  على مدار السرد

و خاصة في ملامح القفلة حين طلب منها مار أن يخرج بحبهما  خارج أسوار الهجير إلى فالنسيا بلد الحب و الجمال

كل هذا و أكثر في رواية عازف القنبوس

رواية ممتعة بالحوارات المتنوعة التي تستفز المتلقي بأحداثهاوتناقضاتها

وهنا في الختام يحضرني قول المفكر العربي إبراهيم نوار (  المرأة حديقة و قد تتحول إلى صحراء لاتصلح إلا لزراعة الصبار )

ترفع القبعة لكل هذا الجمال أ. Sabah Farsi

 

بقلمي  أحمد اسماعيل

    / سوريا

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة تحليلية من زاوية الحداثة، ودورها في رواية (هَمْهَمَةُ المَحَارِ)

Blind marriage