الجرأة والرمزية في المجموعة القصصية ((مخرج)) للقاصة السعودية / صباح فارسي

 





الجرأة والرمزية في المجموعة القصصية ((مخرج)) للقاصة السعودية / صباح فارسي

 

حين نتحدث عن القصة القصيرة جدا، فإننا نتحدث عن فن سردي حديث يشترك بخلقه القاص من خلال ثقافته اللغوية الواسعة وخياله الأوسع وتشترك فيه اللغة لاسيما وإنه نص لغوي متميز مشحون بكثير من الدلالات وتشترك فيه العناصر السردية الجديدة لذلك فهو صعب الكتابة والاستسهال

والقراءة هذه في المجموعة القصصية" مخرج" للقاصة السعودية / صباح فارسي.

المجموعة صدرت عن مؤسسة دار محمد بن ربيع للنشر سنة١٤٤٣هـ

احتوت المجموعة على ما يقرب من ستين نصا سرديا في اغلبها قصص قصيرة جدا

ولعل قراءة المجموعة ستتناول الرمزية بوصفها سمة ملفتة في النصوص وستعرج على بعض الخصائص الأخرى

 

أولا الرمزية: الرمزية في القصة في القصة القصيرة جدا سمة مهمة بوصفها عنصر إيحائي غير مباشر ويزيد من تكثيف النص ويعطي النص القصير جدا أبعادا تأويلية تتضافر مع الميزات الأخرى فيزيد عمقا ويكتسب آفاقا مختلفة ومتعددة للتأويل خاصة والرمزية تعبير عن الأفكار والهواجس والعواطف والحقيقة التي يرسلها بأسلوب إيحائي غير مباشر

وإذا ما نظرنا للقصة القصيرة " مخرج " والتي عنونت بها المجموعة سنجد أن الرمزية مسيطرة على النص خاصة والنص كتب بأسلوب فنتازي جاذب للمتلقي فرمزية المرآة تحيل لإهمال المرأة وإلى تبدد العمر:( في الطبقة العلوية ببيت جدتي غرفة منعت من دخولها وحتى لا تراني جدتي تسللت ليلا للغرفة، في داخل الغرفة وجدت مرايا كبيرة تميل للصفرة يكسوها التراب والتجاعيد، سطحها المصقول جثة هامدة.)

فالمرآة معادل رمزي للمرأة وللحقيقة فلا شيء يعكس الحقيقة كمثل المرآة وإذا كانت فقد أرسل النص دلالة الإهمال للمرأة والتي يتبدد عمرها دون أن تحقق أحلامها ويتضح ذلك من خلال صورة المرآة (يكسوها التراب، تعلوها التجاعيد، جثة باردة)

فتحولت المرأة من الجسد الصقيل والجمال إلى العكس ومن ثورة المشاعر إلى جثة هامدة باردة.

أيضا من خلال رمزية المرآة ناقش إهمال المرأة وظاهرة العنوسة ويتضح ذلك من الحكي في ثنايا السرد (لمست أناملي المرآة فرأيت عمتي العانس.) ص١١

ونقول في مكان آخر:( حين نظرت للمرايا بدت الجدران خلفي مغطاة بالصور، صور تهمي نحوي، صور قديمة لنسوة متشققة بالأبيض والأسود، صور باهتة لوجوه شابات ترنو نظراتهن للبعيد، صور لفتيات في عمر الورود تعلو وجوهن قترة.) ص٩

فمن خلال الغرفة أعطى دلالات الإهمال والعنوسة " نشوة متشققة، صور باهتة لوجوه شابات فتيات في عمر الورود) ص٩

أظن أن ظاهرة العنوسة تظهر من خلال تغير الألوان والملامح وليس لامرأة واحدة، بل من النسوة الشابات وحتى الفتيات اللاتي ينظرن للمستقبل بوجه غير فتعلو وجوههن قترة.

فالنص مخرج يناقش قضايا المرأة من الخيبات للأمل محاولة تغيير نظرة المجتمع وتطرح رؤاها وصراعها مع المجتمع والرجل بجرأة شديدة خاصة والنص ناقش أيضا قضية تعدد الزوجات:( في لمحة خاطفة رأيت وجه أمي كانت تبدو في ريعان شبابها، يا الله كم كانت جميلة، تمسك بمرود كحل حجري وتغمس عليه أهدابها:

سأحضر زفافك، لن يقع يمينك سأبدو أجمل من زوجتك الثانية.) ص١٠

النص يناقش التعدد بلا أسباب ويناقش التخلي عن المرأة وإن كان لها أولاد فالمرأة عبارة عن وعاء جنسي يستبدل بأخرى وليست نصف الحياة وكل المجتمع فالصراع ما بين الرجل يبدو واضحا والنص يحاول أن يغير النظرة الإنسانية والعلاقات الإنسانية

والقصة" مخرج" فنتازيا فيها من الخيال والغرائبية ما يثير المتلقي ويحسب للقصة احترافها القصصي بأنها سردت قضايا المرأة من أشيائها المرايا والغرفة والمرود والكحل وأحمر الشفاه فكانت المرآة نلك بديلا للجدة لتحكي للمتلقي قضايا المرأة كمثل الشريط او لفيلم الذي يحكي قصة ما وكانت الغرفة والجدة رمز الأسرار والسرية.

أما تأملنا نص " نشاز" وهو من النصوص القصيرة جدا

(( نشاز

انتهت القطعة الموسيقية صفق الجمهور بحرارة، وحده الناي ظل من ثقوبه راجيا أن يرحموا ويعيدوه إلى قبيلة القصب)) ص١٣

فاذا كان " النشاز" هو النغمة التي مغايرة لبقية الأصوات والألحان بالذات والرمزية تعبير عن العواطف والهواجس والأفكار، فإن الناي جاء رمز للاغتراب الروحي والغربة بين أشياء غير مألوفة للروح وللذات ورمز للتفرد والشعور بالوحشة لذلك قال أحد الحكماء على لسان الناي وغربته: ((منذ أن اقتطعت من أصلي لم انقطع عن النواح فوظفت القاصة الرمز بحرفية عالية فتحول الناي معادلا رمزيا للذات ويخلق مفارقة ما بين الوحشة والألفة وما بين التفرد في الكثرة والعشوائية وما بين الانسجام والشتات والحزن وسط الفرح.

أما نص والذي يقول:

((رشاش

عندما شرعت للكتابة جهزت كل شيء، قلمي الرصاص، دفتري الممزق، أفكاري المشوشة وحينما شرعت في تسويد الأوراق ... رأيتهم يتنافسون في إحكام الحبل حول رقبتي

هذا الغبي سيطلق الرصاص حولنا.)) ١٥

رمز بالكتابة والقلم إلى فعل الكتابة التي تفعل أكثر مما تفعله الفوهات ومن خلال الرمز أحالت إلى:

- الفعل الكتابي أكثر تأثيرا ووقعا من أي سلاح.

- العلاقة ما بين المبدع وغيره بأنها علاقة متنافرة فالمبدع يحمل رسالة أمة وغيره يركض وراء المصالح

- تكميم الأفواه وحالة من الذعر الفكر الناقد الذي ينير ويبني ولا يهدم.

أما تأملنا نص جراثيم والذي يقول: ((أجبرته إصابته بكورونا على التعقيم، طهر كل ما طالته أنامله، لكنه نسي سبائك خزنته.)) ص٦٥

العنوان في حد ذاته رمز لأولئك الذين يتظاهرون بالطهارة وفي أعماقهم الكثير من القاذورات فتحول الجراثيم والفيروسات من م تلك الجسيمات غير المرئية للفيروسات المرئية البشرية التي تسمم الحياة ولا يتطهرون دينيا.

وإذا تأملنا الاحتراف في صياغة النص في غاية الاقتدار " أجبرته إصابته" بمعنى أنه غير نظيف فهو غير طاهر في الشكل والمكان والمضمون خاصة حين لمحت بالتناص" لكنه نسي تعقيم سبائك خزنته." لتتعالق مع الآية" الذين يكنزون الذهب والفضة.... إلى قوله تعالى يوم تكوى بها جباههم وجلودهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون" صدق العظيم.

و تتعالق مع الآية: ((خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم... الآية)) صدق العظيم.

وإذا الجرأة هي ركن من أركان القصة القصيرة جدا وهي:( (طرق المسكوت والتابو والمحرم الذي يظهر في المجتمع ونتحدث عنه بهمس وبصوت خافت" فالمبدع من يتناوله بجرأة ويطرقه محاولا تغيير وجه الحياة من القبح للجمال ومن الاستغلال للعدل جاءت الجرأة في معظم النصوص

كمثل نص مقامرة والذي يقول: ((آخر ورقة عفة، انكسر كعب حذائها، دهس أحمر شفتيها وهي تعبر زقاق العوز ... اجتازت مقابلتها مع الشيطان بوصمة معاش)) ص٨٦

يتحدث بنص بجرأة عن الفقر لدى المرأة فتضطر للتوظيف وتستغل بعفتها لتعيش من الشيطان المسؤول عن تلك حاجتها ومن النص يمكن استخلاص ذلك من خلال:( (آخر ورقة، كعب حيائها، دهس أحمر شفتيها.))

ويأتي الاستغلال في:( (آخر ورقة، وهي تعبر زقاق العوز، اجتياز المقابلة بوصمة معاش))

هذا قد في المجتمعات وبسكت عنه ويتحدث بلقطة لماحة سريعة موجعة كما سبق خاصة والعلاقات والمحسوبيات تلعب أدوارا فيقدم غير المستحق على المستحق وجاءت الجرأة في معظم كنص " مخرج، ورشاش، وجراثيم ومعظم النصوص"

أما المفارقة فهناك مفارقة سيطرت على " طعم" والذي يقول" يتفشى في الشبكة ليلا، يصطاد فراشات عمياء، يعتنق شريعة الهوام.. يتهادى إلى صفوف المصلين فجرا.)) ص٩٣

المفارقة درامية يتضح ذلك من خلال المشاهد" يتفشى" ينتشر في أمكنة كثير

ويأتي المشهد الثاني" في الشبكة" فالشبكة قد تكون تحيل إليه وإلى غيره.

" يصطاد فراشات عمياء" والفراشات قد تحيل للجمال للصغر وللبراءة

يتصاعد النص في الحبكة ليصل للتأزم" يعتنق شريعة" وفيها رمزية للشياطين ولكل ما هو مخيف لتأتي النهاية الصادمة في " يتهادى إلى صفوف المصلين فجرا" صدمة تهتز المتلقي بالمفارقة الدرامية التي تتصادم ما بين الشيطانية والملائكية وما بين الطهارة والقذارة وما بين اعتناق الشر بلبس عباءة الخير.

وفي الأخير المجموعة محترفة والقاصة تمتلك أدواتها أهنئها الإصدار القوي ويمكن أن اختصر المجموعة فيما يلي:

1- العنوان اختزل الكثير من الدلالات فالمخرج محاولة لبلوغ الكثير من الأحلام والآمال.

2- انشغلت المجموعة بالمرأة وقضاياها وآمالها وخيباتها وطموحاتها واستغلالها وصراعها مع الرجل والمجتمع محاولة إبراز رؤاها من خلال الحرف وكسر سيطرة الذكورية.

- جاءت النصوص القصيرة جدا وهي الأغلب في المجموعة محترفة مكتملة ماعدا بعض النصوص عناوينها كاشفة مفضوحة.

- للقاصة خيال واسع فالفنتازيا والغرائبية مسيطرة إلى حد كبير ويتضح ذلك من خلال نصي" مخرج، وشم"

- أعد المجموعة إضافة سردية قوية وتشكل سبقا في المشهد السردي والأدبي.

 

علي أحمد عبده قاسم. اليمن.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة تحليلية من زاوية الحداثة، ودورها في رواية (هَمْهَمَةُ المَحَارِ)

Blind marriage