قراءة نقديّة في رواية الكاتبة صباح فارسي "عازف القنبوس"
قراءة
نقديّة في رواية الكاتبة صباح فارسي "عازف القنبوس"، بقلم د. دورين نصر.
إنّ تجرية الكاتبة صباح فارسي الروائيّة تشغل حيّزًا
فريدًا في الرواية العربيّة المعاصرة، ليس فقط لأنّها تجربة مجدّده على صعيد
استثمار مقتضيات الشكل الروائي وأدواته التركيبيّة والسرديّة، ولكن أيضًا على صعيد
الرؤية الفكريّة التي يستنبطها المحكيّ ما يمثّل رافدًا لتعميق علاقة الرواية
بالتجربة الإنسانيّة إذ تحاول الكاتبة أن تسبر أغوار النفس في بناءٍ مفتوح متعدّد
الحبكات والشخصيّات. فتتحوّل التجربة الإنسانيّة إشكالاً جماليًّا إضافةً إلى
كونها إشكالاً معرفيًّا أو ثقافيًّا.
تتألّف هذه الرواية من خمس وأربعين صفحة بعد المائتين
مقسّمة إلى ثمانٍ وعشرين شذرة تدور أحداثها بين منطقتي الهجير وفالنسيا. عالجت
فيها الروائيّة موضوعات شتّى كالحبّ والفُراق والعادات والتقاليد كما تطرّقت إلى
موضوع الغربة والتعلّق بالجذور.
وقد سلّطت الضوء على مجتمع يعلي من شأن الأصول والجذور،
بيد أنّ الإنسان الذي لا ينتمي إلى أصولَ قبليّة هو إنسان مرفوض اجتماعيًّا.
شخصيّتان أساسيّتان حرّكتا مسار السرد: الأولى صبرا من
قرية الهجير، ضحيّة الزواج في سنّ مبكِر. والثانية "مار" الفتى الإسباني
الذي لفظه البحر وتَلَقّفه حضن صبرا بحنيّة، بعد أن قسا عليها الزمن، وعاكستها
الظروف. إذ تزوّجت من رجل يكبرها بأكثر من عشرين سنة، فتعامَلَ معها كحشرة وليس كروح.
وقد اعتنت الكاتبة في وصف شخصيّة صبرا خارجيًّا
وداخليًّا عناية دقيقة، إذ دارت حولها جميع الأحداث في الفصول كافّة ونهضت بالعمل
الروائي كونها المحرّك لمجمل عناصره، فهي التي تعرّضت للتنكيل والسخرية لأنّها
وُلِدت امرأة، كما تعرّضت "للاغتصاب المُقنع" خلف سور بيت حزَم ثمّ
طُلّقت وهي لا تزال في الرابعة عشرة من عمرها، فعوقبت عُمرًا بالسجن المؤبّد خلف
أسوار تقاليد من صنع البشر. لجأت إلى بيت الشيخ أبي سالم، حيث عملت باجتهاد
وتعلّمت من زوجته إسعاف المرضى، محاولةً ردم الفجوات بين العِرف والتقاليد وبين
العيب والحرام. وتبيّن من خلال السرد كيف أنّ الراوية تدخل في أعماق فكر الشخصيّة،
وهذا ما يدلّ بالعودة إلى جيرار جينيت بأنّ ""التبئير داخلي" إذ
تقول في شذرة: "شهقة الحياة":
"في
ذلك الفجر خبّأ لها صديقها – الوفيّ الغدّار – البحر، مفاجأة العمر على رمله،
فبينما كانت صبرة تسير على الرّمال بقدمين حافيتين، لمحت على الشّاطئ جسدًا بدون
حراك، هرعت إليه".
ولم تتوانَ الراوية عن تحليل الأمور النفسيّة التي كانت
تمرّ بها الشخصيّة، ما أكسب مضمون الرواية بعدًا نفسيًّا، إذ تقول:
هناك
لحظتان لا تُنسيان، لحظة اقتراف الحب، عندما نلمس السحاب بأيدينا، ولحظة ارتكاب
الفُراق بملء الجنون.
وفي موضع آخر تقول:
كانت
تودّ القول: "بل أنتَ من أتى بكَ القمر إليّ في صبيحة عمر منتظر، أنا الغيمة
التي رأتك فأمطرت، أنا الزهرة المختنقة التي تفتّحت منذ ساعات قلائل...".
كلّ هذه المعطيات تشير إلى أنّ الكاتبة
متخصّصة ومتمكّنة بتقنيّات السرد. والملاحظ أنّ الرواية تخضع لبناء مُجَسَّدٍ على
نظام المقاطع، إذ يبدو كلّ مقطع مستقلاًّ بذاته، ولكنّه في الوقت عينه لا يكتمل من
دون المقطع السابق والمقطع الّلاحق.
فهذا الترابط هو انعكاس تلقائي للانسجام الحاصل بين
أقسام الرواية، من خلال الذات الفاعلة: "صبرة" المحرّك الأساسي للأحداث،
التي عجزت عن التصدّي للسلطة القهريّة التي تحكّمت ببنية المجتمع، ما جعل علاقة
الحبّ التي جمعتها بمار تنتهي بالفراق. هكذا تعاضدت كلّ المقاطع بنسيج واحد يجمعها
خيط "القهر الاجتماعي".
لذلك، نجد الكاتبة تسلّط الضوء على قضيّة التقاليد
والعادات، وتتحوّل قرية الهجير إلى رمز موضوعي يشير إلى ارتباط الإنسان بالمكان.
فهي "السجن الحنون" الذي يمنعهم من التحليق خارج أسوارها.
تأسيسًا على ما سبق، يمكننا القول بأنّ البعد
الإيديولوجيّ في الرواية، بان من خلال طرح قضايا اجتماعيّة ما زالت تساور المجتمع
العربي.
وقد تجلّى إبداع الروائيّة من خلال تسليط الضوء على واقع
المرأة المهمّشة في المجتمع. وقد ارتقت اللّغة السرديّة بالنصّ إلى مستوى أنيق، ما
جعل الإيديولوجيا تتسرّب إلى المتلقّي من خلال قنوات الوظيفة الجماليّة. لقد بنَت
الكاتبة روايتها وهي على علم كامل باستراتيجيّات السرد الحديثة وأساليبها ابتداءً
من وظائف الشخصيّات كما وردت عند بروب مرورًا بمفهوم العوامل كما وردت عند غريماس،
فعكست الرواية وعيها بالبنية العميقة للمجتمع، فنتج فعل الكاتبة عندها من إدراكها
الوعي للواقع الاجتماعي المذري.

تعليقات
إرسال تعليق