القاعدة
الخامسة – طالع الأبراج
حدثني من
ظننت حديثه صدقا عن الكاتب قرطاس، أن قرطاسا تمكن منه الوسواس، وصار يعيد كتابة
كتابه يشطب كلمة يظنها مهينة، يحذف سطرا يخاف أن يورده قبرا، يراجع الترقيم حتى لا
يوصف بالغشيم رفع الفاعل بالضمة لعل أن تكشف عنه الغمة، ونصب المفعول بالفتحة عسى
أن تصيبه بعض الفرحة، قعد على الدكة ينتظر إمامه حتى قارب البدر تمامه، وحين لاح
الشيخ مكناس في نهاية الطريق... ركض إليه مستنجدا كما الغريق، فرش له مكانه، وشعر
بينه وبين حاله أن في صدر مكناس ما يخفيه عن الناس، وفي وجهه أمر ما يحاول أن
يقصيه... فبادره بالسؤال حتى لا يطيل المقام ويثقل الموال
- كيف هو حالك يا
شيخنا الوقور؟
رد الشيخ
مكناس وهو يلتفت يمنة ويسرة راجيا أن تنجلي الحسرة:
- بخير يا قرطاس،
اليوم الخبر سيكون مرتبطا بالنجوم وحولها سوف نحوم، ستتعلم كيف تصنع لك أيادي تبلغك
الظفر بقلوب بالأعادي، عليك يا قرطاس أن تطالع الأبراج وتتقنن فن التداخل بين
الأفواج، وانظر نظرة في النجم، ولا تدعي السقم، استعذ بالله من الشيطان الرجيم
وادخل على الأندية من باب التنجيم، وعليك بمعرفة برج العميد ذلك الذي يترأس
النادي.
الأبراج وهل سأجد
فيها معارج تبلغني المدارج... أخشى أنني هالك في هذا اليوم الحالك-
وكز الشيخ
مكناس قرطاس بعكازه، ليقبل عليه دون أن يتعكر مزاجه.
- استمع لي...
وأنصت... تعلم علم الفلك، وستنقضي الحاجات لي ولك، انظر أن كان العميد من برج
الحمل فلا تغرينك ابتسامته وتصنع براءته، فهو لن يراك لأنه بشخصه مفتون، ولو قرأت
عليه كل ما عرفت من المتون، لا تظن أنه حنون، طبعه أناني ولن يلتفت إليك حتى ولو
حسنت الصوت بالأغاني وحفظت سرد الأصفهاني، حجته في قوله إنه لن يجد غيره من يقوم
بالمهام أفضل منه، يتربع على الكرسي ولا يحيد عنه منذ أمد بعيد... ويكفيه من أمره
أنه سعيد معجب بنفسه ظنا من أنه وحده الرجل الرشيد وصاحب الكلام السديد، عليك أن
تجاريه ولكنني لا أظنك يا قرطاس ستفوز به...
أما إن كان
من أصحاب برج الثور فيا صاحبي. كان الله في عونك، فمواليد الثور يتصفون بالعناد،
وليسوا ممن ينقاد، بل ممن يحب أن يشعل الزناد، وعند النقاش يصاب بالهياج وتنتفخ
الأوداج، وتظن أنه أصيب بالارتجاج لشدة الحجاج، ولا يفيد لتهدئjة شيء، حتى لو سكبت
عليه دلوا من الماء الثجاج، حتى لو قرأت عليه كتاب ألف ليلة وليلة، قد يهدأ قليلا،
لكنه سيعود فيكون لجوجا يهوج ويموج، حاله كمن لم يبلغ بعد النضوج...
أما إن كان
من أهل قرقعة الجوزاء فعليك أن تتقن فن الصبر وعلقمه، وفن الانتظار وحصرمه، صاحبنا
يقضي سنوات طوال حتما يمنيك باتخاذ قرار، وهو متسع البصيرة، ولكنه قليل الحيلة،
يعييك في السؤال عن كل شاردة وواردة فهو الخبير بالتعقيد، وبارع في التمديد يتخذ
القرار بعد أن يحيل ليلك نهارا... نهار، طبعه المغالطة وديدنه المماطلة. فإن
أعطيته مخطوطك فأعلم أن عليك أن تنسى أمره عمرا...
- يا شيخنا مكناس
هلا خفضت الصوت كي لا يسمعنا نفر من الناس
- يرد مكناس وقد
علت مقولته، وجاوز المدى بمطالبه، لم أكتب أبراجهم، بل تلك ساعة مولدهم، وطبيعة
الأهواء المائية والهوائية والترابية، فإن نقموا علي فليغيروا أبراجهم إن استطاعوا
لذلك سبيلا...
لعلني أخبرك
عن السرطان فهو محير للأذهان، يعيش بين النقيضين، لا يثق بما يدور حوله من حوارات،
يميل لاكتناز الكتب قديمها وجديدها، يحتفظ بالقلم، حتى لو انبرى، ولا يقوم
بالترتيب، بل يصدر التعليمات، ويطالب بالإذعان كأنما كلامه من التنزيل لا يحول عنه
ولا يميل. لا يثق بخله، حتى لو طال أمله، يطالب الجميع بالوضوح، وهو يعيش في
التشكيك و، يدقق في التفاصيل، ويضيع ومن حوله في التأويل ويدقق ورقة ورقة ثم يحاجك
لينقلب على حجتك.
أما إن كان
من برج الأسد فعليك أن تعلم أنه يستأسد، ستسمع زئيره في كل محفل وديرة، يحب
القيادة ظنا أن لغيره لم ولن تكون السيادة، إن جاع سمعت جعجعته من علو السفح حتى
القاع، مغرور ويظن أن الكون حوله يدور، إن أغضبته فترقب انتقامه فسوف يقطعك
بأنيابه، ويمضغك بأسنانه، يرأس المحافل والجميع يتحاشاه، متعلق بالكرسي، عليه يصبح
ويمسي. حتى إذا ما فارقه كأنه لم يكن فيصبح منسيا...
- أما إن كان من
برج العذراء فهو برج أهل الدهاء، يمتاز صاحبه بالذكاء، يميل للروتين، حازم في اتخاذ
قراراته جازما أن جميع القراء والقاصين والكتاب يعيشون في مداراته، منظم يقود من
حوله للجنون لشدة التنظيم، يحيك القصص عن مضار الفوضى فهو يحب الدراما، ويحب العيش
وحيدا بعيدا عن النادي ومن فيه، إن أنصت إليه كنت من الرابحين، هل ستكون من
المنصتين؟
وبين
ما هم في الحديث بين هذا وذاك، نودي على مكناس، من داخل النادي، تتابعت الأصوات
تنادي، لم يرد، بل اتكأ على عكازه وتهادى في مشيه بعيدا... عائدا لداره

تعليقات
إرسال تعليق