قراءة نقدية لرواية عازف القنبوس
قراءة نقدية لرواية عازف القنبوس للكاتبة صباح فارسي
قدمتها أستاذة رفعة البكيري 5يوليو2023
تكرمت الزميلة الراقية الأستاذة صباح بإهدائي روايتها ( عازف القنبوس ) والتي استمتعت بالتجول بين سطورها وشاركت أبطالها لوعة المعاناة والحرمان
ولأني أعلم أن الحضور الذي سيشارك في الأمسية المتفق عليها في مقهى مجالس المقام سوف يقدمون قراءات ومداخلات كافية فيما يخص الهيكل الروائي والعناصر الفنية فإني وجدت نفسي أقف كثيرا عند دور الأرض والطبيعة عموما في تشكيل حياة الناس وتوجيههم إلى نظم محددة من الحياة مصبوغة بلونها ومعطرة بنكهتها .
لذلك كتبت عن إنسان رواية ( عازف القنبوس ) وعلاقته بالطبيعة
البيئة وأقصد بها الأرض بجميع تضاريسها سواء البر أو البحر أو التلال أو الصحارى أو الحقول والمزارع وغيرها وما يوجد فوقها من نباتات وحيوانات وما يعلوها من سماء ونجوم وكواكب وما يتكون فيها من مجموعات بشرية وأنظمة وقيم وعادات
لهذه الرواية موعد عظيم مع البيئة بشتى نواحيها فأرض الهجير التي تعطي سكانها ببخل شديد وتسومهم الذل والهوان ( تعطيش الهجير له وإذلالها إياه ) هي ذات الأرض التي لعب عليها الأطفال وسار فوق ترابها السكان في أيام متوالية.
والبحر الذي يغرق في أحشائه الغواصون ويهابه الناس هو الذي ألقى بجسد البطل مار على شاطئ الحب فالتقى بصبره وكأنه ( البحر ) يقدم لها هدية مخاتلة ثم لا يلبث أن يعود مرات عدة ليبعد مار عن حبيبته بأسفار متكررة حتى يحين الوداع الأخير ( هو البحر يأخذ ويعطي )
أما الأشجار فعلى قلتها في المناطق الصحراوية إلا أن شجرة الهمس كانت صديقة الجميع وكاتمة الأسرار . تتدلى من أغصانها الأمنيات وعلى حضنها الدافئ يرتمي المخذولون من الرجال والنساء
ولا ننسى أن صبرة لطالما جلست على تلة مرتفعة تحدق في البحر وتفكر في حياتها وكلما ضاقت بها المشاعر رفعتها التلة لتلامس السماء
تختلف البيئة ويتلون الإنسان باختلافها ؛ فصبرة الصبورة ربيبة الصحراء وهجير الشمس ليست مار ربيب البيئة الخضراء وأشجار البرتقال , فقد أحب الألوان والموسيقى والرقص بينما ذاقت صبرة صنوف الهوان واغتيال براءة الطفولة
ماذا عن الطين والحجارة ؟ إنها تؤدي دورها في طمس وإخفاء آهات النساء ( خلف حجارة الطين تئن النسوة )
القمر أيضا كان شاهدا على قصة الحب المهددة بتنافر البيئات ورفض الغرباء ؛ فصبرة تقول : أنت من أتى بك القمر في صبيحة عمر منتظر وأنا الغيمة التي رأتك فأمطرت . أنا الزهرة المختنقة التي تفتحت منذ ساعات قلائل
إن المطر الذي صبته الغيمة الفرحة بقدوم مار هو ذاته الذي أشعل الحنين في نفسه وجعله يتذكر بلاده فكان إذا رأى السماء تمطر قال : كل امرأة تجعل المطر حجة لتحتمي برجلها منه .مشيرا إلى تحرر النساء في بلاده من قيود أرض الهجير
الشهب والنجوم وقوس قزح كلها تضامنت وأقامت كرنفالا أضاء السماء لصبرة وهي في طريق عودتها إلى منزلها بعد أول لقاء لها بحبيبها مار
هل تخلت البيئة والطبيعة عن صبرة في سنوات عمرها ؟ لا . فهي وإن قست عليها إلا أنها قدمت لها السدر وسعف النخل والبن لتصبح طبيبة يشار لها بالبنان
نعم . قدمت لها البيئة ما استطاعت فهذه مقدرتها
في النهاية تقوم البيئة والتضاريس بدورها في إقصاء الحبيبين وإن كانت هي من جمعهما .
بيئة اسبانيا المتحررة تجذب مار وبيئة الهجير المتشددة تلفظه خارجها وتقبض على صبرة لتبقى وكأنها تلقي عليها تعويذة البقاء .
هذه البيئة بكل ما
فيها خلقت فردا مقيدا بالتبعية للجماعة وأصدرت قوانينا جائرة تغتال الطفولة وتئد الحب وتصادر الحريات ولكن ماذا نقول : قد يعشق المرء بيئته مهما فعلت به
أود أن أشير إلى مهارة الروائية التي تناولت الزمان والمكان بضبابية تجعل القصة عالمية تصلح لأي بقعة تشبه أرض الهجير .

تعليقات
إرسال تعليق